مانيفستو وجدان

ما هي الثقافة التي نقصدها؟

الثقافة -كما نقصدها- لا تقتصر على الفنون والآداب الرفيعة.

الثقافة هي الإجابة الحية والمتجسدة عن سؤال: من نحن؟ ماذا نريد؟ ما المهم بالنسبة لنا؟

ثقافتنا تجسيد لرؤيتنا للوجود أو هكذا يجب أن تكون. وعندما تتقاطع رؤيتنا للوجود مع ظروف المكان والزمان، تتكون اختياراتنا وتفضيلاتنا التي تُشكل الطريقة التي نعيش بها.

هذه الطريقة ليست اعتباطية في الأصل؛ فهناك فكر وفلسفة يشكلان علاقتنا بالجسد وبالطبيعة وبالآخر وبالحياة وبالموت. تلك العلاقات تحدد خياراتنا للطعام والأزياء والعمران والطقوس وطرق العيش جميعها.

الثقافة كما نعنيها هي الأشكال والوسائل والسرديات التي نحيا من خلالها.

عندما نتشارك هذه الأمور على مستوى جماعي تتشكل ثقافة جماعية لكل لحظة تاريخية وكل شعب وكل مجموعة.

وعلى المستوى الفردي، تتكون ثقافة فرد بعينه في الأساس من ثقافة المجموعات التي ينتمي إليها، بالإضافة في قليل من الأحيان إلى جهده الفردي في البحث عن أشكال ووسائل وسرديات خاصة به.

ما معنى أن تكون لدينا ثقافة؟

ثمة فرق بين ثقافةٍ حيّة نحملها ونحيا بها، وبين إرثٍ خلّفه أصحابُ ثقافةٍ مضت.

إنه الفرق بين من عاش في مدينة قديمة يفهمها ويتحد معها كأنها امتداد لجسده، وبين من يعيش على أطلالها. نفس المباني التي كانت حية بالنسبة للأول تصبح مجرد شواهد بالنسبة للآخر.

أن تكون لدينا ثقافة يعني أن يكون لدينا ما يبرر طريقة عيشنا، أن تكون لدينا رؤية للحياة، وأن نصيغ هذه الرؤية ونحياها ونجسدها لتنعكس في واقعنا الملموس.

الثقافة هي "الفِكر المُعاش والمُجسد". هي أفكارنا عندما نعيشها.

تكون الثقافة حية عندما ندرك موقفنا من الحياة فكريًا ووجدانيًا، وحين نستشعر في أعماقنا أن طريقة الحياة هذه تعبر عن من نكون.

تصبح الثقافة هشة عندما تخلو من فلسفتها، من الفكر المتضمن بها.

هل نحتاج للثقافة؟

الثقافة الحية هي إطار أو نموذج نفكر ونعيش من خلاله. قد لا يكون الإطار الوحيد أو الأصلح، لكن وجوده في حد ذاته ضرورة.

عندما تذوب ثقافة المجتمع وتتحلل، تعود الأسئلة الوجودية إلى الحيز الشخصي. وتصبح مهمة كل فرد أن يجيب عن سؤال: «كيف أحيا؟». لكن المشكلة لا تكمن هنا.

المشكلة أن هذه الإزاحة للمسؤولية لم يخترها معظم من تفككت ثقافتهم. وقد يكون إيجاد معنى للحياة مهمة لا يرغب كثيرون في تحملها.

ومن ناحية أخرى، حين تتفتت الثقافة، فإنها لا تختفي تمامًا، بل تبقى أطلالها. فقد تبقى منظومة الزواج والمهر والشبكة، وتختفي قيمة الأسرة؛ فتصبح مجرد أشكال اعتباطية تجعل الحياة أصعب، من دون أن تضيف إليها معنى. وهكذا نقوم بأشياء من دون فهم لها، أو نتركها من دون الحفاظ على القيمة التي كانت تحتويها.

الحكي والموسيقى والرقص هي طرق لخوض الحياة وتحمُّلها. الثقافة تجعل الحياة منطقية ومتسقة وجميلة، وثقافة أي مجموعة تمنح المعنى لوجودها.

ومن مظاهر فقدان الثقافة الحية تحوُّل الثقافة إلى صناعة تنتج منتجات تُعرض وتُستهلك. الثقافة ليست للفُرجة أو الاستهلاك؛ بل هي، في المقام الأول، وسيلة للعيش من خلالها.

من هو المثقف؟

نقصد بالمثقف، أو صاحب الثقافة، كلَّ إنسان لديه رؤية وفهم لواقعه، ويعيش باتساق مع تلك الرؤية.

يجب أن يكون الجميع مثقفون، يعيشون من خلال رؤية متجسدة للحياة. فالثقافة التي نعنيها ليست رفاهية، بل الأساس الذي ننطلق منه

من وسط هؤلاء يظهر المبدعون. المبدعون هم الأفراد الثوريون الذين يحافظون على حيوية الثقافة بإعادة وصلها بجوهرها أو منحها أشكالًا جديدة.

هم الشخصيات القَلِقة التي تملك القدرة على النقد وإعادة التفكير. هم أصحاب الفكر الذين يكونون مصدر إزعاج أو نداء، المضطهدون أحيانًا، أو الملهمون أحيانًا أخرى.

أما من يُطلَق عليه «المثقف» اليوم، فهو في أغلب الوقت مجرد مستهلك للمنتجات الثقافية، سواء الأدبية أو الفنية أو الفكرية.

هو من يعرف الكثير، ويعيش القليل. فهناك فرق بين أن يكون لديك رؤية، وبين أن تعرف ماذا رأى الآخرون.

هل ثقافتنا هي فعلًا ثقافتنا؟

الثقافة كائن حي يتأثر بالبيئة ويؤثر فيها، وقد يفقد هذا الكائن حيويته ويصبح بلا روح. قد تتوقف الثقافة عن النمو أو تُقتلع من جذورها، فتموت نتيجة للجمود أو للسيولة.

خاض كثير من المفكرين معارك حول الحفاظ على التراث في مقابل التجديد. ولا عيب في الحفاظ أو التجديد في حد ذاتهما، وإنما تبدأ المشكلة عندما يكونا بلا أساس، عندما تُختزل قيمة ممارسات ما في كونها متوارثة أو تكتسب ممارسات أخرى قيمتها فقط من كونها حديثة.

يجب أن تقوم اختياراتنا على أساس قِيمي. وإن تغيرت القيم ينبغي أن يكون ذلك أيضًا على أساس فكري.

تاريخيًا، تم إعلاء قيمة الفرد على قيمة الجماعة، خصوصًا في الثقافة المهيمنة في الغرب، وكان لذلك أسبابه التاريخية ومبرراته. لكل إنسان تجربته المتفردة ولكل مجتمع خصوصيته. فلا داعي إذن لتبني ثقافة فردانية، مثلًا، إذا كانت تجربتنا الخاصة لا تستدعي ذلك.

هناك تحولات تحدث بصورة طبيعية وتدريجية، استجابةً لتغيرات الواقع، ونتيجةً للنضج وتراكم الخبرات. وهناك التحولات المُقحمة غير المبررة.

وما يُقحم لا يُمتص بصورة طبيعية. لا تكون المشكلة هنا أن ما تم تبنيه هو سيئ بشكل مطلق، مثلما لا تكون نغمة ما نغمة سيئة بشكل عام ولكنها قد تسبب نشازًا في جملة موسيقية معينة.

المشكلة هي الهشاشة الثقافية. عندما يغيب المعيار والقدرة على النقد والاختيار، نكون تحت رحمة الأقوى. لا تكون أفكارنا نابعة من اختيار واعٍ، بل تُفرض علينا بالقوة، سواء قوة عسكرية وسياسية (الاستعمار) أو بقوى أكثر نعومة (الاستعمار الجديد).

هذه دعوة للاستقلال والمقاومة.